بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

 

علم الغلابة مثلهم مثلنا بوجود ثورة باسمهم قُرر لها تاريخ 11/11/2016، تم الدعوة لها من قبل مجهول، وتجسدت في دعوة إلكترونية عبر موقع يسمعون عنه من خلال التلفزيونات والراديو وربما لا يتاح لأغلبهم فرصة استخدامه. علم الغلابة مثلهم مثل الغرباء تمامًا، أن هناك ثورة باسمهم؛ اليوم.

وبعيدًا عن كون مصدر الدعوة لهذا الحراك مجهولًا، فهناك علامات استفهام كثيرة على مضمون الدعوة ذاته، المضمون الذي ينفي عنها كونها حراكًا لتحقيق أي مكسب اقتصادي. ولنجيب عن سؤالنا الأساسي في المقال، فلنبحث مقومات الحراك الاقتصادي الذي يهدف بالفعل لتحقيق مكسب ما للغلابة.

بداية، ليكون هذا الحراك اقتصاديًا ناجحًا يجب أن ينعزل عن المطالب السياسية وينحصر على مطالبات اقتصادية. وليكون ناجحًا يجب أن تكون هذه المطالب محددة، وللحراك قيادة واضحة يمكن التفاوض معها لتحقيق أقصى استفادة ولا يظل المطلب صوتًا تائهًا وسط الجماهير.

وليكون هذا الحراك اقتصاديًا ناجحًا يجب أن يكون ضمن الدائرة الاقتصادية للدولة، فلا يكون أبدًا يوم “إجازة رسمية” لجميع المصالح والجهات. فإن كان هذا الحراك اقتصاديًا يخاطب جهات من شأنها تحقيق مطالبه؛ فكيف يخاطبها في يوم إجازتها حيث يمكنها بسهولة الاحتجاب وتجاهله؟!

لو كان هذا الحراك اقتصاديًا بحق؛ هل من المنطقي أن يخرج من دوائر الاقتصاد إلى الشوارع في يوم تغلق فيه المصالح الاقتصادية؟ هل بعد 5 سنوات من الحراك في صورة تظاهرات والتداعيات الاقتصادية التابعة لكل حراك منهم يعقل أن ينادي حراكٌ اقتصاديٌ بالتظاهر؟!

كلا، لو كان هذا الحراك حراكًا اقتصاديًا بحق لاتخذ مكانه داخل المصالح الاقتصادية نفسها، ولتصدرته قيادات عمالية ونقابية وباتت له مطالب واضحة تكون متكافئة مع الواقع الاقتصادي وتساعد المتضرر على تجاوزه؛ لا أن تطالب بعكس الواقع الاقتصادي. بمعنى؛ ستطالب هذه التظاهرات بزيادة المرتبات وزيادة الدعم للمنتجات والسلع الأساسية، ورفع المعاشات، وربما توفير فرص عمل لمن يعانون من البطالة أو تقديم إعانة بطالة لهؤلاء حتى لا يتحولوا خلال ضراوة الكساد إلى عناصر تهدد أمن المجتمع وسلامته، وبالتأكيد اقتصاده.

أفضل الحراك الاقتصادي على مر التاريخ هو الإضراب عن العمل، ومن ثم الاعتصام داخل مقر العمل، وأفضل الحراك يكون بإجماع أعضاء المؤسسة على الإضراب أو الاعتصام فيكون واضحًا لأصحاب القرار أن هذا الحراك لا يمكن تهديده من داخله، ولا من داخل المؤسسة، ويكون أفضل الحراك كذلك مقدمًا للمجتمع بشكل يضمن دعم المجتمع لحق الإضراب للعامل؛ حيث لا يكون مهددًا بالرفض من المجتمع، أو مهددًا بتوافر بديل.

فعلى سبيل المثال يمكنك مراجعة الإضرابات العمالية الأشهر في العالم في فرنسا، وأبرزها الإضرابات العمالية في مجال النقل والمواصلات وهو أكثر المجالات حيوية في المجتمع؛ لا يتظاهرون في الشوارع بل يضربون في مقر عملهم، لا يتغيبون بل يقفون وقفة رجل واحد، ولا يتذمر المجتمع، بل يدعمهم بالتأقلم واحترام حقهم في حياة أفضل وظروف عمل أفضل. كما على نطاق الصعيد المصري يمكنك مراجعة إضراب المحلة والذي وإن حقق السقف الأدنى للمطالب فقد كان حراكًا اقتصاديًا منظمًا وناجحًا، إضافة إلى إضرابات متفرقة في مصانع ومؤسسات مصر بالمحافظات المختلفة وموانئ مدن القناة بعضها نجح في تحقيق أهدافه والبعض الآخر لم يفعل؛ لكنها في النهاية كانت حركات اقتصادية مؤثرة.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9

كما أن أفضل الحراك الاقتصادي لا يخاطب رأس الدولة، وبالتأكيد لا يخاطب الجهات الأمنية فيها؛ لماذا؟ لأنه إن تجاهل رأس الدولة هذه المطالب فلا أمل آخر في التصعيد، ولا سلطة أعلى لمخاطبتها. فالحراك الاقتصادي يجب أن يتدرج، وأن يكون لديه قدر المستطاع فرصة للتصعيد إلى سلطة أعلى ما لم تستجب السلطة المخاطبة؛ ففي النهاية هدف الحراك الاقتصادي يكون تحقيق مكاسب ملموسة ومؤثرة. وعلى ضوء هذا التوضيح يقف السؤال محيرًا: كيف يتوقع من حراك اقتصادي في مطلعه مخاطبة رأس الدولة، بل والمطالبة بإزاحتها وتسمية الحراك بالثورة؟! كيف سيحسن إزاحتها وضع أصحاب الحراك إذا تم؟!

وحتى لا تختتم التساؤلات بالإجابات السمجة الدائمة: “حسنًا، ليس حراكًا اقتصاديًا؛ بل هو سياسي بحت!”؛ فهذا الحراك ليس سياسيًا أيضًا، فالسياسيون كما “الغلابة” تمامًا، وجدوا الدعوة أمامهم من “مجهول”، ووجدوا جميعًا على اختلاف أيدولوجياتهم وتوجهاتهم في خانة رد الفعل ومنتظر منهم إعلان موقفهم بالمشاركة، الممانعة أو الحياد.

ختامًا، نقف اليوم جميعًا أمام دعوة من “مجهول”، دعوة لـ “ثورة” اقتصادية باسم “غلابة” مفعول بهم في دعوة باسمهم، دعوة استخدمت خلال الفترة الماضية للتنكيل سياسيًا واقتصاديًا بالجميع؛ دعوة من “مجهول”… فمن يا ترى ذلك المجهول الذي لم تأت دعوته سوى في صالح النظام؟! وكيف يكون الحراك الذي دعى له، بأي شكل، اقتصاديًا أو سياسيًا أصيلًا؟!

برأيي المتواضع: حديث المعارضة عن رغبة السيسي وحكومته في المصالحة حديث هزلي ومثير للغثيان، فقد انعدمت كل آفاق المصالحة في عام 2013 ولم يعد هناك أي سبب استراتيجي يدفع النظام إلى التصالح؛ المصالحة.. هي معاهدة سياسية يستفيد منها كافة الأطراف.. فلماذا قد يرهن النظام مكسبه المستمر والمتعاظم بمعاهدة قد تحده بل وتضمن بعض المكاسب لمعارضيه؟

وبالمعارضة هنا أقصد الاخوان ومؤيديهم، لأنهم الجهة الأكثر ترجيحًا لتكون طرفًا لأي مصالحة سياسية؛ حيث أنها الكيان الوحيد المنظم الموجود على الساحة ويستمر في المعارضة – مهما بدت شكلية.

الاغتيالات السياسية للقيادات والاغتيالات المعنوية للصف ليس المقصود بها نهائيًا الدفع باتجاه مصالحة سياسية؛ تلك الاغتيالات الهدف منها التخلص من الرموز وكسر ظهر المعارضة أكثر مما سبق.

المضحك المبكي في هذا السياق هو سجالات الفايسبوك وجدالات تويتر حول الأحداث، والخلافات الداخلية لجماعة الاخوان، ومن في صف من ومن ومن في جبهة من، على مرأى ومسمع من الجميع؛ فيبدو المشهد وكأن الكيان يسوق نفسه بنفسه إلى هلاكه.

في زمن مضى وانقضى كانت المنشورات السياسية التي تحمل توعية بقضايا وتحريضًا على التحرك – على مستوى المدن والدول يتم توزيعها في سرية تامة حتى أن حيازتها كانت تماثل حيازة المخدرات الآن. فما بالكم بما يحدث على مستوى أصغر من جماعة داخل دولة يحكمها نظام يود لو يفترسها ويفتتها؛ ألا يستحق الأمر بعض السرية ربما؟

كان شعار بعض الدول حال خوضها الحرب: “أسمع، أرى؛ لا أتكلم” مهما رأيت أو سمعت فلا تفتح فمك بلا داع لأن الجواسيس حولنا وفي أي وقت يمكنك أن تلفظ معلومة تكسبهم الحرب وتخسرها بلادك دون أن تدري أهميتها ولا أن تدرك فداحة نشرها.

جماعة الإخوان الآن مشتتة بين ثلاث عذابات: الاعتقال، المنفى والمطاردة. كوادرها وشبابها إما في المعتقلات تهدر أعمارهم، أو في المنفى يصارعون من أجل الحياة، أو مطاردون لا هم استراحوا من حياة القط والفآر بالاعتقال، ولا فروا من البلد فعادوا للحياة البدائية للبحث عن احتياجات الإنسان الأساسية. بين هذه الفئات الثلاث المعذبة تقبع الجماعة ومازال بعض من يطلق عليهم “مثقفوها” متصورون أن النظام سيحبو من أجل مصالحة سياسية.

جماعة بلا نقطة تفوق واحدة أمام النظام، كل أخبارها وأسرارها وخلافاتها متاحة لمن يريدها ولمن لا يكترث؛ لماذا قد يهدف النظام إلى أي شيء قد يعيد إليها بعض توازنها – كالمصالحة مثلا؟ سيكون النظام حينها غبيًا… فاذا استمر الوضع على ما هو عليه سيخسر النظام عداوة الاخوان لأنها ستنهار على أقل تقدير تنظيميًا؛ وسيتبقى عليه الشعب الذي اعتاد ترويضه بالعصا والجزرة!

أتمنى، وهي أمنية تمنيتها كثيرًا على مدار السنوات الماضية ولم أنلها؛ أن يفيق الإخوان وغيرهم من القوى السياسية من خداع النفس.. أن يدركوا موقعهم على خريطة الصراع وأن يجتهدوا في إيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم قبل مشاكل الوطن وربما حينها البحث عن مخرج من المعادلة الصفرية التي حبسونا فيها منذ 2013 إلى الآن.

street_art_29

كيف غيرت مكالمة FaceTime مآلات انقلاب تركيا ولم لا توجد أوجه مقارنة مع مصر

coup

بدأ انقلاب تركيا يعلن عن نفسه حين أغلق القنوات الرسمية والطرق الرئيسية ومطار أتاتورك باسطنبول وبنزول قوات عسكرية إلى الشوارع والميادين الرئيسية وشل حركتها، ومحاولة احتلال مقرات الحكم الرئيسية، كانت جميع القوى السياسية والعسكرية في صمت كامل وتوجس عدا بعض ممثلي الحكومة عبر تويتر وبيانات خطية.

حسم الأمر مكالمة Facetime أجراها أردوغان لقناة CNN Turk دون النظر لماهية القناة أو شكل المكالمة الغير موافق للبيانات الرسمية للرؤساء. كانت المكالمة إعلان كاف بالصوت والصورة لثلاث رسائل بغض النظر عن مضمون الخطاب ذاته: الرئيس حيٌ آمن، الرئيس حرٌ طليق، والرئيس لن يستسلم.

كان ذلك كفيلًا بإعلان أن الانقلاب لم ينجح – وهو إعلان لا يعني فشله بالضرورة – ما قدم لجميع الأطراف في تركيا رسالة واضحة أن حسم الأمور بأيديهم.

كان للشعب التركي الخيار في أن يقبل هذا الانقلاب ويعيش مآسيه القديمة مجددًا أو لا، وكان للقوى المدنية أن تقبل انقلابًا عسكريًا على الديمقراطية التي هي جزء لا يتجزأ منها أو أن تشارك فيه وتفقد الديمقراطية بشكل نهائي؛ كما كان للعناصر الغير مشاركة في الانقلاب من القوات العسكرية – وهو الأهم – الفرصة الكاملة في تحديد موقفهم مع وطنهم ومصلحته العليا حتى لو كان معنى ذلك تقديم رقابهم للوطن في حال نجح الانقلاب.

العصيان الشعبي لحالة حظر التجوال كان أول ثمار خطاب أردوغان عبر الهاتف، ومن ثم تعامل الشعب مع قوات الانقلاب عند المطار وطردهم منه وإخلاءه تمامًا من سيطرتهم. تبع ذلك إعلانات رؤساء الأحزاب المعارضة على تنوعها اصطفافها مع الديمقراطية وإعلاء مصلحة تركيا ضد محاولة الانقلاب العسكري. وأخيرًا، كان إعلان الجيوش التركية الجيش الأول والبحرية وقوفهم خلف مصلحة الأمة وغياب أي علاقة لهم بما يحدث من محاولة الانقلاب العسكري.

هنا بدأت الكفة تميل لصالح أردوغان، وكان لاسطنبول دونًا عن غيرها الطليعة في رفض الانقلاب ومقاومته وطرده من شوارعها بأقل مواجهة مسلحة تذكر، فيما كان لأنقرة – ومازال – النصيب الأكبر من المقاومة المسلحة خاصة مع استمرار سيطرة الانقلاب على أحد المطارات العسكرية وعدم تسليمه سلاح الطيران بعد ومحاولته المستميته إعادة توازن الكفة.

لم ينته الأمر بعد، هكذا أعلن أردوغان والرئاسة التركية مطالبا الشعب بالتزام الميادين حتى عودة الأمور لطبيعتها؛ كما لم يعد أردوغان لأنقرة ومازال بين أنصاره في اسطنبول، ومالم يحدث ذلك فلم تحسم الأمور.

حتى الآن راح ضحية هذه المحاولة للانقلاب حوالي 100 شخص نصفهم من المدنين ومئات الجرحى؛ فيما تم اعتقال مئات من الجنود المتورطين في هذه المحاولة وتستمر الاعتقالات.

*****

ولكن لماذا لا توجد وجه مقارنة بين محاولة الانقلاب في تركيا وانقلاب مصر؟ لنجيب على ذلك دعنا نعقد ثلاث مقارنات بسيطة.

أولًا: الرئيس في حالة مصر كان رهن الاعتقال، في حالة تركيا كان حرًا وآمنًا.

ثانيًا: الشعب في الحالة التركية كان قد عانى من 4 انقلابات عسكرية سابقة، يعلم مآلات الانقلاب، لم يتعرض لأي شحن إعلامي مسبق، ورأى الرئيس حرًا فأدرك أن مقاليد الأمور يمكن أن تعود ليده وأن وطنه لم يضع بعد.

بينما الشعب في الحالة المصرية لم يشهد سوى انقلاب عسكري واحد في خمسينيات القرن الماضي مازال يمجده وقائده حتى اللحظة، ورغم ضنك مآلات الانقلاب فالعقل الجمعي المصري كان يقدس جيشه، إضافة إلى ذلك تعرض الشعب المصري لشحن إعلامي مكثف لم يواجهه شيء لأشهر متوالية شوهت الرئاسة والديمقراطية الوليدة وكل ما يأتي من طرفها؛ وأخيرًا، رأى الجيش في الشوارع وعلى التلفاز وغاب الرئيس عن المشهد فسكن تمامًا لأن التحرك الوحيد المتاح كان تحت لواء الاخوان الذين قال التلفاز له عنهم أنه خونة وعملاء وتجار دين ولا يحبون الوطن.

ثالثًا: إعلان الانقلاب، وهنا نتوقف قليلًا:

  • فشلت محاولة الانقلاب التركية في إعلان بيان رسمي للانقلاب والسيطرة على البلاد من خلال التلفزيون الرسمي، حتى أننا عرفنا اسم قائد المحاولة لاحقًا من وسائل الإعلام المؤيدة لأردوغان؛ وكان أقصى ما تم إعلانه هو حظر التجوال وإغلاق المطارات. 
  • أما في مصر فقد كان إعلان الانقلاب مختصرًا لكل المشاهد، وزير الدفاع، وعلى جانبيه ممثلو القوى المدنية، السلطات الدينية، وقادة الجيوش كافة؛ أعلن عزل الرئيس، إيقاف العمل بالدستور، حظر التجوال، ورئيسًا للمرحلة الانتقالية وحسم الأمر.

ومن الضروري الالتفات إلى أن القوى المدنية المصرية لا وزن حقيقي لها سوى ذلك الذي صنعه الإعلام في ذات الأشهر التي شوه بها الديمقراطية؛ على عكس قوى تركيا التي تدرك وزنها في الشارع والتي فاقت في الانتخابات الأخيرة مجتمعة وزن الحزب الحاكم. كما أن القوى المدنية المصرية لم تنل من الحرية سوى عام واحد وضيعته إلى حين؛ بينما القوى التركية تدرك تمامًا قيمة الحرية والتي تستحق دفع الحياة ثمنًا لها.

لهذا لا توجد أوجه لمقارنة حقيقية بين الأحداث الجارية في تركيا وانقلاب مصر؛ لكن هذا لا يعني بالمرة أن انقلاب مصر كان واجبًا لا محالة وأنه كان من الممكن الحفاظ على الديمقراطية في مصر – ولكن تلك قصة أخرى.

*****

أخيرًا وحتى عودة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقر الحكم في العاصمة أنقرة وإعلانه خلو البلاد من عناصر الانقلاب وإيذانه بإمكانية عودة الشعب إلى البيوت لانتهاء الأزمة؛ فمازال الأمر لم يحسم بعد. مازلت كفة أردوغان في الأرجح، وحتى الحسم، لا نملك إلا انتظار ما ستحمله لنا الساعات القادمة.

16 يوليو 2016

12:15 ظهرًا  – توقيت اسطنبول

الرصاص لا يعرف الحب

أسماء خيري

على مدار سنوات عمري لم يخبرني أحد عن الحب كما أعرفه الآن، ولعل كتابتي اليوم عنه تخرجه عن كل السياقات المعتادة، وتجنبًا لمقدمات طويلة دعوني أقول: لعلي لم أتمن شيئًا في حياتي كأن يوصيني أحدهم “تزودوا بالحب .. فالحب لا يعرفه الرصاص”

*****

ترددت طويلًا من أين أنطلق في الكتابة، وحقيقة غلبتني التساؤلات وقررت ألا أعود إلى نقطة ثابتة للبداية ولأبدأ من حيث أنا.

أمس، شهدت مصر سقوط سيل من الدماء. والدماء دماء، بغض النظر عن موقفها من معادلة الصراع. والصراع مستمر دام لا يرحم، يسلب الأهل والصحب والأحباب، يسلب العمر والصحة والأجساد، ويكاد يسرق أروحنا. الصراع يستنزف إنسانياتنا حتى بات من الطبيعي استمرار ترهات على الشاشات فوق شريط أخبار عاجل تستمر أرقام الضحايا في الوميض عليه؛ ضحايا كل الأطراف، المحسوبة والمهمشة.

وهناك، عند هذا المبنى العتيق الذي شهد الكثير منا ضيوفنا على مدار الأعوام الماضية، هناك عند «المشرحة» ضمت امرأة مُحبة وجه زوجها المقتول بخمس رصاصات، بين كفيها بحنان وقبلته، وارتمت ابنة في حضن أبيها المقتول برصاصات خمس، لآخر مرة، ووقف شاب يغالب دموعه على استحياء رثاء لأخيه الذي قتلته أيضًا رصاصات خمس، فيما ضمته أمهما الثكلى، ويتكرر المشهد، يتكرر مع كل جثة من الجثث التي دلفت إلى مبنى المشرحة، الرصاصات الخمس، العائلة، والحب.

لقد شهدت المشرحة أمس دونًا عن الوطن بأكمله، فيضًا من الحب في دمعات متمردة، وقبلات مختلسة، وأحضان أخيرة، ودعوات متوسلة، ولمسات وداعية؛ حانية. شهدت المشرحة أمس الحب في بهاء لحظات الألم التي لا تتكرر؛ لحظة الوداع.

*****

حين كتبت أمينة قطب الأبيات الختامية لقصيدتها «هل ترانا نلتقي» قالت: لم يعد يبرق في ليلي سنا .. قد توارت كل أنوار الشهاب. هكذا خطت أمينة حياة ما بعد الوداع، ليل بلا أنوار بلا نجوم بلا هَدي؛ إلا أن أمينة لم تنهي القصيدة عند هذا البيت. بعد تساؤل ولهفة وعتاب ومصالحة ووداع ثم ظلامه، لم تتم القصيدة، بل استمرت، حملت أمينة ما مدتها الحياة به من حبٍ ومضت في ثلاث أبيات لا تخاطب سواه؛ الحبيب:

غير أني سوف أمضي مثلما .. كنت تلقاني في وجه الصعاب

سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا .. يرتضي ضعفًا بقول أو جواب

سوف تحدوني دماء عابقات .. قد أنارت كل فجٍ للذهاب

*****

لو أمعنا النظر قليلًا، فإن الحب هو ما تبقى لنا من زاد أمام كل ما تجابهنا به الحياة، الحب هو الشيء الوحيد الذي لا تطاله قيود الظالم ولا حبال مشانقه ولا رصاصاته. الحب هو الشيء الوحيد الذي لا يمكنه أن يسجن، ولا يمكنه أن يقتل ولا يمكنه أن يصادر. الحب هو كل ما تبقى لنا.

الحب، هو قوت أرواحنا الباق أمام يأس الحياة، هو هدايانا لأحبابنا في حلكة الظلام، هو الشمعة الوحيدة التي لن تنطفئ إذا منع عنها الهواء.

الحب هو روح الثورة، هو روح الحق، وهو روح الحياة.

*****

لم ألتق حسن البنا بعد، ولم أجلس إليه الجلسة التي أتوق إليها لنناقش سويًا الكثير مما كتب والكثير مما قيل، ولم أبحث وراءه فيما قصد حين قال «سنقاتل الناس بالحب» لأنني لم أفهمها حين قرأتها أول مرة، ولم أفهمها حين سخر أبناء جيلي منها، ولم أفهمها سوى عندما لم أجد من الحياة ما يعينني على الاستمرار فيها سوى الحب. وسواء كنا نتفق في معناها أم لا فأنا أثق أن البنا سيتفق معي على طرحي لعبارته الآن. لقد كتب علينا القتال، القتال من أجل البقاء في مجتمع لا يقبل من يرفض الذات العسكرية والسلطة الفاشية الظالمة، كتب علينا القتال لأجل البقاء رغم الرصاص والمشانق والقيد والسرقات والتنكيل والمطاردة، كتب علينا القتال من أجل الحياة، وأيًا من كان من يجب أن نقاتله فلا ذخيرة لنا ولا سلاح ينفعنا قدر الحب. ولم يكذب البنا حين قالها، فلا سبيل لنا الآن سوى القتال بالحب.

*****

«أنا كل ما تودعنا..كأنّا تودّعنا لآخر مرة حبيبي…»

كانت النية الأولى للكتابة اليوم عن المآسي المتوقعة في المرحلة المقبلة من الصراع، ولكن ضربة الشمس التي تلقيتها صباحًا كتمت عبارة واحدة من أغنية فيروز «سألتك حبيبي» في رأسي ولم تخرج، لم تخرج لأنها كانت تُعزف على وتر شخصي بروحي حقيقة رغم تداخله مع الصراع، لكن يظل وتر خاص جدًا بي. بقيت العبارة بالأعلى تدندن برأسي المتعب بقية النهار وحتى اللحظة، فعدلت عن كتابة المتوقع من المآسي وقررت أن أكتب ما كتبت. وأما عن المتوقع فلا سبيل لمجابهته سوى بالثبات والصبر. وأما عن الفقد، فلا سبيل لمجابهته إلا بالكثير والكثير من الحب، وليكن كل لقاء لنا مع الأحبة كأنما هو الأول، وكل وداع كأنما هو الأخير، ولنحسن الحب ولنغدق الود حتى تتوسع أرواحنا لتحفظ الحب وينزوي الألم تحت وطأة الحب في الركن، ويخفت فلا يبقى من الفقد سوى ريح الأحبة.

*****

«أن هذه القلوب تعاهدت على محبتك»

أجمل ما بورد الرابطة الذي أنساه حينما أنسى الوقت أو يسرقني، هوالتذكير المستمر بالحب، فنحن نحب الله ونتحابب فيه، وإن حب الله والحب فيه لزادٌ لا تصفه كلمات.

*****

وحتى لا يجهض هذا المقال كغيره من محاولات الكتابة السابقة بالدموع، فلا شيء أجدر بالختام من وصية قطب لأخيه رغم الأسر، والقيد، والمشانق:

«فأطلق لروحك إشراقها .. ترى الفجر يرمقنا من بعيد»

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله.

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله

لا أدري، هل يستوجب الأمر حقًا توضيح؟!

يقولون أسعفته جنسيته الأمريكية؟! أحقًا تصدقون ذلك 🙂

حسنًا، لنقوم بمراجعة سريعة:

أصيب محمد سلطان برصاصة حية في الكتف في فض اعتصام رابعة 14 أغسطس 2013

اعتقل محمد مع ثلاثة من أصدقاءه من بيت والده يوم 25 أغسطس 2013، وصدرت مذكرة توقيفه يوم 27 من الشهر نفسه.

أضيف محمد وصحبه إلى القضية المعروفة إعلاميًا بقضية “غرفة عمليات رابعة” .. القضية رقم 317 أمن دولة عليا طوارئ

بدأ محمد سلطان إضرابه الكامل عن الطعام في 25 يناير 2014 طلبًا لحريته

في اليوم الـ 100 من إضرابه وجه سلان خطابًا مسجلًا بالفيديو للحكومة الأمريكية معرفًا فيها بقضيته ومطالبا إياها بالتدخل لحماية حياته؛ ولم تتدخل

خلال ما فاق العام وثلث العام من الإضراب عن الطعام تعرض محمد لأزمات صحية متعددة واضطر لإجراء جراحة داخل زنزانته بسبب إصابته يوم فض رابعة.

خلال هذه المدة انطلقت حملات إعلامية وشعبية واسعة ببلدان مختلفة مطالبة الحكومة الأمريكية بالتدخل والحكومة المصرية بالإفراج عن سلطان.

في الـ 11 من أبريل الماضي حكمت جنايات القاهرة برئاسة “محمد ناجي شحاتة” بالإعدام على والد سلطان و13 معتقل آخرون، والمؤبد لسلطان وأصدقائه الثلاثة، و33 معتقل آخرون.

عقب الحكم قامت العائلة بإقناع محمد سلطان بتخفيف إضرابه من إضراب كامل إلى إضراب جزئي وبدأ في تناول بعض العصائر إلى جانب الماء.

في الـ 30 من مايو 2015 وعقب 389 من خطاب سلطان الأول مخاطبًا الحكومة الأمريكية، وعقب 489 يوم من الإضراب؛ استجابت الحكومة الحكومة الأمريكية للضغط وقامت بالتدخل للإفراج عن محمد سلطان. اعتمدت الحكومة الأمريكية على القانون المصري رقم 140 لسنة 2014 والذي يجيز لرئيس الجمهورية المصري ترحيل المعتقلين الأجانب في أي مرحلة من مراحل التقاضي؛ ليدخل هذا القانون حيز التنفيذ: أجبر سلطان على التخلي عن جنسيته المصرية.

أعلن أمس النائب العام المصري أنه تم ترحيل سلطان ليقضي مدة عقوبته في أمريكا.

أمريكا لا تحاكم أحدًا من مواطنيها في القضايا ذات الخلفيات السياسية.

صباح اليوم، الـ 31 من مايو 2015 ، وصل سلطان إلى واشنطون – أمريكا، حرًا كريمًا.

سلطان انتصر.

سلطان لن يتوقف عن المقاومة

حقائق:

1- رفض سلطان التخلي عن جنسيته المصرية منذ اعتقاله وظل محتفظًا بها قرابة العامين من الاعتقال 489 من الإضراب عن الطعام 

2- الجنسية الأمريكية لم تسعف سلطان قبل الـ 30 من مايو 2015 في شيء

3- تم مساومة سلطان على جنسيته مقابل حياته 

4- تخلي سلطان عن جنسيته ليس استسلامًا ولا خيانة 

5- سلطان انتصر على الحكومتين المصرية والأمريكية 

6- حرية سلطان لا تعني توقفه عن النضال والمقاومة لأجل حرية الآخرين

7- خيار سلطان الاضراب كان قراره وحده، قراره الاستمرار فيه رغم الأزمات السياسية كان قراره وحده، خيار التوقف الآن وقبول التنازل الجنسية مقابل حياته هو قراره هو وحده أيضًا. 

8- سلطان انتصر.

سلطان

قرر سلطان المقاومة وحده 

استمر في المقاومة وحده

دفع الثمن وحده 

وانتصر وحده 

وانتصر انتصارًا معنويًا لنا جميعًا 

ولن يتوقف عن المقاومة لأجل الآخرين.

عاش ليحكي.. 

فكفوا ألسنتكم عنه.

أخيرًا: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” – صدق الله العظيم

10494740_10153886894892306_1318405794533313520_n

For “Islamic Culture” course at Qatar University, we were asked to choose a topic between a list of topics that are considered as challenges to Islam, address the challenge and contribute with a solution. We choose “Islam and Secularism”

In this paper our thesis was that western secularism is appealing to muslim youth because we are living in a conservative secular society which is not consistent with neither Islamic values nor individualistic.

This track was my part on the diagnosis of the challenge and it’s proposed treatment.

جانب من تظاهرة رافضة للاعتقال التعسفي بمصر خلال 2014

اذا كان الخط غير واضح في الاستبيان أدناه، اضغط على الصورة لإتمام الاستبيان على موقع جوجل مباشرة

نسخة من الاستبيان للراغبين في الاطلاع عليها

Screen Shot 2015-05-17 at 09.14.36 Screen Shot 2015-05-17 at 09.15.23 Screen Shot 2015-05-17 at 09.15.48 Screen Shot 2015-05-17 at 09.16.07 Screen Shot 2015-05-17 at 09.16.38

Tag Cloud

%d bloggers like this: