بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

أما مروة فمروة هي وعد زينب الأخير متحققًا، وأما زينب فقد كانت مجتهدة تدور خلف حقوق الناس بعين لا تنام قريرة إلا إن فازت بدعوة من أم قرت عينها برؤية ابنها دون قضبان أو فتاة عادت أخيرًا لتحلق وسط الطيور عقب أسر، أو هؤلاء الذين يستحون طلب الحرية فينادون فقط بحقهم في أن يتذكرهم هؤلاء الذين ينعمون بها. أما زينب، فقد ضاق بها الأفق حتى ابتلعها وغابت، وكان وعدها الأخير أن تكون دائمًا معي؛ فكانت مروة. ولكن تلك قصة خاصة للغاية، السؤال المهم الآن هو من يربت على كتف مروة؟

التعامل مع صناع القرار في العالم مرهق نفسيًا للغاية، وقد كنت تعيسة الحظ بما فيه الكفاية لأمضي 15 يومًا من الشهر الأخير لي على سطح الكوكب بين هؤلاء، بداية من رواد المعارضة المصرية وصولًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة. هؤلاء الذين تتجه إليهم الكاميرات وتتوجه إليهم الأسئلة بأعين براقة وأصوات مرتجفة وألسنة متملقة للغاية؛ أسئلة حول مصير العالم الذي يسكنه 7 مليارات من البشر يعبث صناع القرار بمصيرهم بلا أدنى فرصة للنظر خارج أفقهم الضيق. التعامل مع صناع القرار في العالم مرهق نفسيًا لأنه بالرغم من كل شيء أنت ترى ضحالة الفكر، وبيروقراطية القرارات، وعجرفة الإنسانية كاملة، والأنانية المنمقة وصراعات القوة الوهمية التي تستنزفهم جميعًا. صناع القرار بالعالم ينادون في المؤتمرات بحرية تداول المعلومات ولكنهم لا يجيبونك أبدًا على أي سؤال، يماطلون، يستغفلونك – أو هكذا يظنون أنفسهم، لا يهتمون بما لديك لتضيف إليهم رغم أنه وفقًا لشرعهم الذي يتغنون به: أنت الأهم. كل هذه الكوكبة من “النخب” مهمتهم الأساسية والوحيدة هي جعل حياتك “أنت” أكثر يسرًا وأكثر أمنًا وأكثر حرية ورفاهية.

العالم، المخرج يأمر المصور بتكبير جزء من الصورة، العالم العربي، الشرق الأوسط، صناع القرار بالشرق الأوسط؛ وما أدراك ما صناع القرار بالشرق الأوسط.

مثال: يقف أحد رموز المعارضة المصرية الأبرز على مر عقود مضت وستأتي رغم أن الحديث متاح له جالسًا قائلًا: “أفضل الحديث واقفًا احترامًا لشباب الثورة”. يتابع السيد المعارض الحديث في إعادة رتيبة لصياغة معلومة واحدة: “يجب إسقاط حكم العسكر”. عندما ينتهي الخطاب، يطلب أحد الشباب الكلمة، يقف، يسأل باقتضاب: “سيدي الفاضل أعدت علينا ضرورة إسقاط حكم العسكر دون آلية واضحة لكيفية فعل ذلك، لقد وقفت تحية لنا، ولكن ما المطلوب منا لإسقاط حكم العسكر، أخشى أن يحمس كلامك شبابًا مثلي لمزيد من العمل غير المجدي فتزيد الاعتقالات ويرتفع معدل القتل مرة أخرى، فماذا يمكننا فعله، ما المطلوب الآن: في نقاط رجاء؟” فيرد المعارض بعد مقدمة لا فائدة منها: “يجب أن نحافظ على مؤسسات الدولة وقيمتها لنحافظ على شكل الدولة ونرفض حكم العسكر.” وكفى.

هذا مشهد مقتضب للغاية من مشاهد متعددة تحمل ذات الرسالة الواضحة لجيل يبدو أنه على وشك أن يرث شيب “العواجيز” من الساسة وعقم فكرهم. الرسالة هي أن صناع القرار العرب يفتقرون إلى الرؤية. صناع القرار العرب لا قرار لهم ولا أثر لهم ولا يملكون لنا من شيء سوى “سم البدن” بعبارات منمقة في ظاهرها، رنانة في وقعها، خاوية في معناها وأثرها.

ولكن من يحمل المسؤولية وعلى رأس من تصب “إربة” النخب “المخرومة”؛ مروة. مروة ليست مروة واحدة، إنها مرآة لبشر كثيرون، يزداد عددهم كل حين أو ينقص إن امتدت إليهم يد الغدر. وعندما أكتب اليوم مروة، فأقصد زينب، ومروة، ومثلهم أكثر من 500 شخص يعملون رغم الحصار حقوقيًا وإعلاميًا في مصر  لرفع أصوات المظلومين، حصر المعتقلين في السجون، الدفاع عنهم، دفع كفالاتهم، دعم عائلاتهم وعائلات الشهداء وغيرها مما تمكنهم فسحة القدر من فعله. وعندما أكتب اليوم مروة أكتب عن رجال ونساء وصبية وفتيات لم يتخط أحدهم عمر الشباب بعد بل لم يبدأه بعضهم من الأساس. وعندما أكتب اليوم مروة فأنا أكتب عن أرق قد لا يذوي حتى مع ضوء النهار؛ لأجل أناس لا يعرفونهم ولكن لن يتحمل مسؤوليتهم أحد، سواهم.

ومروة، مروة مواطنة عادية للغاية، مواطن عادي للغاية، كل ما حدث هو أن الفراغ الذي تخلفه النخبة ذات الخطب الرنانة والمؤتمرات ذات الخمس نجوم احتاج لأحد أن يملئه وإلا ضاع المئات والآلاف خلف القضبان دون صوت، دون كلمة توثق ألمهم، دون صدى لصراخهم، دون رواية أخرى سوى رواية النخبة. وأما عن الحصار، فالحصار حصار النظام من ناحية وحصار المعارضة الحمقاء من ناحية أخرى، وبينهما تسعى كل مروة.

ومروة، كل مروة، وكل زينب، كان من حقها حياة عادية، إمكانيات حقيقة، استقرار، أمان، تعليم، وفرصة؛ فرصة لاستثمار طاقتها التي لا تنضب لأجل الآخرين، ولكن النخب وصناع القرار تخلوا عن دورهم في توفير هذه الحياة لمروة رغم أنها واجبهم، وواجبهم الوحيد. ومروة، وكل مروة، كل زينب؛ لو كان لهم فقط فرصة، لكانت البلاد التي تغرق بلا هوادة في مستنقع من العفن الاقتصادي والفكري والاجتماعي؛ على أول الطريق نحو نهضة حقيقية. فمروة، كل مروة، تحب هذا البلد بحق، وتحب الناس بحق، وكل زينب ضاق بها الطريق لخدمتهما ذوت. والآن، مروة، تملأ فراغ خلفته النخب السكرى بأضواء الكاميرا وصناع القرار من النظام والمعارضة الآخذون في الحديث، الحديث فقط. مروة الآن – كل مروة – تحمل على كتفيها عبىء أوطان وسكانها، ولا ترى فسحة في الأفق لإشراقة ولو صغيرة، لا ترى سوى نخبة غارقة في الغيّ. مروة تحمل الوطن على كتفيها، وحدها.

وأنت، أنت تعرف مروة، لقد قابلتها يومًا عابرًا وابتسمت، أو ربما لم تبتسم، كنت ممتنًا لها ربما أو ربما لا، ومرقت، ونسيت. وأنت، أنت تعرف النخب، رأيتهم مرارًا وتكرارًا، حفظت خطبهم المعادة والمكررة، ومع ذلك مازلت معلقًا تقديرك بهم وآمالك بخطبهم. أنت، رأيت مروة، ترى هل تجيبني من يربت على كتف مروة؟ مروة لا تنتظر من يربت على كتفها، فهي لن تجد الفسحة لذلك ما استمرت أكتاف أخرى تأن من وطأة ظلم وتحتاج لمن يربت عليها.  ولا يصف الكلام الحمل على أكتاف مروة ولا يصف الكلام كم مرة خذلت أنت مروة معلقًا ناظريك بمن تتجه إليه الكاميرا.

ولأختتم، المستقبل القاتم لا يضيئه سوى شعلة من الشباب كمروة، وليس فلاش كاميرا. ولأطمئنك قليلًا، سأخبرك الآتي: أما عن مروة، فستبقى مروة، وأما عن زينب فقد وفت وعدها، وأما عنك، فلا أمل سوى أن تفيق من سحر الكاميرا؛ كفاك.

مروة

أسماء خيري

Comments on: "من يربت على كتف مروة؟" (1)

  1. كتابة رائعة للغاية و أسلوب شيق يراوح ما بين فن القصة و الكتابة الصحفية
    تحياتي لقلمك، و كثَّر الله من أمثالك ، حتى تنجح الثورة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Tag Cloud

%d bloggers like this: