بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

الرصاص لا يعرف الحب

أسماء خيري

على مدار سنوات عمري لم يخبرني أحد عن الحب كما أعرفه الآن، ولعل كتابتي اليوم عنه تخرجه عن كل السياقات المعتادة، وتجنبًا لمقدمات طويلة دعوني أقول: لعلي لم أتمن شيئًا في حياتي كأن يوصيني أحدهم “تزودوا بالحب .. فالحب لا يعرفه الرصاص”

*****

ترددت طويلًا من أين أنطلق في الكتابة، وحقيقة غلبتني التساؤلات وقررت ألا أعود إلى نقطة ثابتة للبداية ولأبدأ من حيث أنا.

أمس، شهدت مصر سقوط سيل من الدماء. والدماء دماء، بغض النظر عن موقفها من معادلة الصراع. والصراع مستمر دام لا يرحم، يسلب الأهل والصحب والأحباب، يسلب العمر والصحة والأجساد، ويكاد يسرق أروحنا. الصراع يستنزف إنسانياتنا حتى بات من الطبيعي استمرار ترهات على الشاشات فوق شريط أخبار عاجل تستمر أرقام الضحايا في الوميض عليه؛ ضحايا كل الأطراف، المحسوبة والمهمشة.

وهناك، عند هذا المبنى العتيق الذي شهد الكثير منا ضيوفنا على مدار الأعوام الماضية، هناك عند «المشرحة» ضمت امرأة مُحبة وجه زوجها المقتول بخمس رصاصات، بين كفيها بحنان وقبلته، وارتمت ابنة في حضن أبيها المقتول برصاصات خمس، لآخر مرة، ووقف شاب يغالب دموعه على استحياء رثاء لأخيه الذي قتلته أيضًا رصاصات خمس، فيما ضمته أمهما الثكلى، ويتكرر المشهد، يتكرر مع كل جثة من الجثث التي دلفت إلى مبنى المشرحة، الرصاصات الخمس، العائلة، والحب.

لقد شهدت المشرحة أمس دونًا عن الوطن بأكمله، فيضًا من الحب في دمعات متمردة، وقبلات مختلسة، وأحضان أخيرة، ودعوات متوسلة، ولمسات وداعية؛ حانية. شهدت المشرحة أمس الحب في بهاء لحظات الألم التي لا تتكرر؛ لحظة الوداع.

*****

حين كتبت أمينة قطب الأبيات الختامية لقصيدتها «هل ترانا نلتقي» قالت: لم يعد يبرق في ليلي سنا .. قد توارت كل أنوار الشهاب. هكذا خطت أمينة حياة ما بعد الوداع، ليل بلا أنوار بلا نجوم بلا هَدي؛ إلا أن أمينة لم تنهي القصيدة عند هذا البيت. بعد تساؤل ولهفة وعتاب ومصالحة ووداع ثم ظلامه، لم تتم القصيدة، بل استمرت، حملت أمينة ما مدتها الحياة به من حبٍ ومضت في ثلاث أبيات لا تخاطب سواه؛ الحبيب:

غير أني سوف أمضي مثلما .. كنت تلقاني في وجه الصعاب

سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا .. يرتضي ضعفًا بقول أو جواب

سوف تحدوني دماء عابقات .. قد أنارت كل فجٍ للذهاب

*****

لو أمعنا النظر قليلًا، فإن الحب هو ما تبقى لنا من زاد أمام كل ما تجابهنا به الحياة، الحب هو الشيء الوحيد الذي لا تطاله قيود الظالم ولا حبال مشانقه ولا رصاصاته. الحب هو الشيء الوحيد الذي لا يمكنه أن يسجن، ولا يمكنه أن يقتل ولا يمكنه أن يصادر. الحب هو كل ما تبقى لنا.

الحب، هو قوت أرواحنا الباق أمام يأس الحياة، هو هدايانا لأحبابنا في حلكة الظلام، هو الشمعة الوحيدة التي لن تنطفئ إذا منع عنها الهواء.

الحب هو روح الثورة، هو روح الحق، وهو روح الحياة.

*****

لم ألتق حسن البنا بعد، ولم أجلس إليه الجلسة التي أتوق إليها لنناقش سويًا الكثير مما كتب والكثير مما قيل، ولم أبحث وراءه فيما قصد حين قال «سنقاتل الناس بالحب» لأنني لم أفهمها حين قرأتها أول مرة، ولم أفهمها حين سخر أبناء جيلي منها، ولم أفهمها سوى عندما لم أجد من الحياة ما يعينني على الاستمرار فيها سوى الحب. وسواء كنا نتفق في معناها أم لا فأنا أثق أن البنا سيتفق معي على طرحي لعبارته الآن. لقد كتب علينا القتال، القتال من أجل البقاء في مجتمع لا يقبل من يرفض الذات العسكرية والسلطة الفاشية الظالمة، كتب علينا القتال لأجل البقاء رغم الرصاص والمشانق والقيد والسرقات والتنكيل والمطاردة، كتب علينا القتال من أجل الحياة، وأيًا من كان من يجب أن نقاتله فلا ذخيرة لنا ولا سلاح ينفعنا قدر الحب. ولم يكذب البنا حين قالها، فلا سبيل لنا الآن سوى القتال بالحب.

*****

«أنا كل ما تودعنا..كأنّا تودّعنا لآخر مرة حبيبي…»

كانت النية الأولى للكتابة اليوم عن المآسي المتوقعة في المرحلة المقبلة من الصراع، ولكن ضربة الشمس التي تلقيتها صباحًا كتمت عبارة واحدة من أغنية فيروز «سألتك حبيبي» في رأسي ولم تخرج، لم تخرج لأنها كانت تُعزف على وتر شخصي بروحي حقيقة رغم تداخله مع الصراع، لكن يظل وتر خاص جدًا بي. بقيت العبارة بالأعلى تدندن برأسي المتعب بقية النهار وحتى اللحظة، فعدلت عن كتابة المتوقع من المآسي وقررت أن أكتب ما كتبت. وأما عن المتوقع فلا سبيل لمجابهته سوى بالثبات والصبر. وأما عن الفقد، فلا سبيل لمجابهته إلا بالكثير والكثير من الحب، وليكن كل لقاء لنا مع الأحبة كأنما هو الأول، وكل وداع كأنما هو الأخير، ولنحسن الحب ولنغدق الود حتى تتوسع أرواحنا لتحفظ الحب وينزوي الألم تحت وطأة الحب في الركن، ويخفت فلا يبقى من الفقد سوى ريح الأحبة.

*****

«أن هذه القلوب تعاهدت على محبتك»

أجمل ما بورد الرابطة الذي أنساه حينما أنسى الوقت أو يسرقني، هوالتذكير المستمر بالحب، فنحن نحب الله ونتحابب فيه، وإن حب الله والحب فيه لزادٌ لا تصفه كلمات.

*****

وحتى لا يجهض هذا المقال كغيره من محاولات الكتابة السابقة بالدموع، فلا شيء أجدر بالختام من وصية قطب لأخيه رغم الأسر، والقيد، والمشانق:

«فأطلق لروحك إشراقها .. ترى الفجر يرمقنا من بعيد»

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله.

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله

Comments on: "الرصاص لا يعرف الحب" (1)

  1. أعتقد أننا:فى زمن الهرج وهو زمن القتل بدون أسباب الذى قال مناسبة الذى ﻻينطق عن الهوىخاتم اﻵنبياءمحمد صلى اللة علية وسلم والمخرج منة هو أن يلزم المرء بيتهوفن يبكى على خطيئتة حيث سوف يحاسب كل فرد عن نفسة دون غيرة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Tag Cloud

%d bloggers like this: