بعض الشيء عن كل شيء © Asmaa Khairy

Archive for the ‘ما بين السياسة و الحياة’ Category

أنا أتألم

أنا أتألم*

images

هل أنت شجاع/ـة ما يكفي للاعتراف بالألم؟

أناضل لكتابة هذا المقال باللغة العربية لأنه فيما عدى ألم العشق، الفقد، وسكرات الموت، لا يوجد الكثير من الألم للتعبير عنه بها. الألم الذي أنا بصدده هو الألم النفسي الذي يكتمه الكثيرون خوفًا من حكم المجتمع حتى يحاصرهم صداه ويثقلهم التراكم ويقفون أمامه عاجزون حتى عن محاولة التعبير عنه.

لم يتركني هذا السؤال وحالي منذ وضعتني مسيرة حياتي في احتكاك مباشر مع العديد من الأمهات الجدد ورأيت أمامي صورًا كثيرة لاكتئاب الحمل واكتئاب ما بعد الولادة بدرجاتهم المختلفة. كما رأيت ألمًا تخجل النساء – أو بالأحرى الفتيات اللاتي وجدن أنفسهم نساءً فجأة – من التعبير عنه أو الاعتراف به أمام كلمات مثل “هو انت أول واحدة تخلف” “ما عيب بقى غيرك يتمنى” إلى آخر هذه الأحاديث.

وعلى مسافة أخرى أرى أمهات نالت منهن التراكمات وأمامهم أطفال لا تتخطى أعمارهم العامين ويسألون عن طرق التعنيف والعقاب المناسبة لهذا السن؛ لأن المجتمع يحكم عليهن من تصرفات بنيهم. يصل الأمر ببعض الأمهات إلى الضرب أحيانًا ويبررن قائلات: “ما احنا اضربنا يعني جرالنا ايه”.

وينسحب اليوم تلو الآخر في حياتهن ولا تصرخ أيهن “أنا أتألم” وإن صرخت يكتم صوتها بعبارت التقريع ويكتم ألمها داخلها ولا تواجهه ولا تعالجه ويبقى أثره ينخر مستقبلها ومستقبل بنيها بلا هوادة.

*****

“أنا أتألم”

“عيب”.. هذا هو تعريف الألم في مجتمعنا وفي لغتنا، فالولد منذ صغره لا يبكي لأنه “الراجل مبيعيطش” والمرأة مهما تأذت لن تصبح إلا أقوى “اكسر للبنت ضلع.. يطلع لها 24”؛ هذا الرد يأتي من المقربين، وربما أقرب الأقربين.. مثل الأهل مثلًا، الأب والأم والزوج والاخوة.. “ما تسترجل كده امال!”

“ضعف” وكأي ضعف في مجتمعنا يجعلك الألم أو التعبير عنه عرضة للسخرية والاستهزاء.. ويجعلك تخشى ألا يراك الآخرين على قدر ما أوتيت من المسؤولية ولا قدر ما يحتاجون فيك من صديق أو سند

“وحدة” في الألم أنت وحيد، تخشى إيلام من تحب إن شاركت ألمك أو عبرت عنه، وتعرف يقينًا أنه لا أحد يريد أن يسمعك؛ تنزوي في الركن تنتظر من الألم أن ينهشك ويقضي عليك.

“انفجار” مع التراكمات لا شيء يبدو منطقيًا.. سيقول لك الآخرون ما بالك تغيرت فجأة.. “انت بقيت عصبي كده ليه” “انت ليه بطلت تسأل” ولا أحد يستوعب اللحظات الثقيلة التي مرت عليك حتى ذابت روحك وشكلها الألم كيفما أراد ولا أحد يستوعب أنه لا شيء يأتي فجأة.

*****

الخبر السيء: “قلة هم المحظوظين الذين يجدون شخصًا يغامر لينتشلهم”

الخبر الجيد: “يمكنك قولها.. أنا أتألم”

“أنا أتألم”

هذا الاعتراف ليس مشينًا، هو مؤلم فقط.. ثقيل على اللسان.. ثقيل على القلم.. ثقيل على القلب.. حتى أنا التي أوصيك بهذا الاعتراف أستغل هذا المقال لكتابة الكلمة لصعوبة نطقها وقولها والاعتراف بها.. وعلى أنها ليست اعترافًا في مقالي؛ إلا أنها مازالت ثقيلة!

“أنا أتألم”

لا يجب أن يكون أحدًا بجانبك ليسمع هذا الاعتراف أول مرة، ولا اخر مرة؛ لكن يجب أن تكون أنت الحاضر الأساسي والفاهم الأول والأخير والأكثر استعدادًا لمحاولة التعافي..

“أنا أتألم”

حتى وإن كتبتها على ورقة مقابل بعض الخربشات، اليوميات، الرسومات الغير مفهومة، الحكايات الغير مرتبطة.. المهم.. أن تعبر عما بداخلك، لصديق، لنفسك، للمرآة، لحيوانك الأليف، لطفلك الصغير، أو للورق.. فقط.. عبر!

*****

قلبي يؤلمني.. اليوم رأيت قطة على جانب الطريق وقد دهستها سيارة.. كانت مازلت في طريق السيارات الأخرى رغم أن أحدهم اجتهد في إبعادها عن قلبه.. بدا من حجمها أنها كبيرة.. ولما فاديت أن أدهسها مرة أخرى؛ سألت نفسي عن مكان أطفالها.. هل لها أطفال؟ من يطعمهم الآن؟ من يرعاهم؟ هل يا ترى ينتظرونها؟ وإلى متى؟

أفقت من تساؤلاتي حين وصلت إلى المنزل وأوقفت السيارة، ووجدت نفسي لا أريد أن أبرح مكاني وفقط أريد أن أرثى القطة. لا أفهم ما بي ولماذا يؤلمنني ما رأيت.. إنها مجرد قطة وإنه مجرد مشهد متكرر. أجلس أمام المقود شارد الذهن بدمعات متحجرة تأبى أن تهطل.. أنا أتألم

*****

العالم قاس للغاية… هذه حقيقة وليست “دلع” ونحن الأكثر قسوة على أنفسنا. قم يا صديقي وافتح مسجل الصوت على هاتفك، أو كاميرا الفيديو، أو مدوناتك الشخصية على الهاتف، أو كراساتك ذات الورق صاحب الرائحة العتيقة، أو ورقة تنوي أن تحرقها، واكتب لنفسك أولًا.. ماذا يؤلمك؟ ماذا يثقلك؟

حينما كنت أفكر في كيفية عرض فكرتي عن الألم كل ما جاء ببالي عبارة باللغة الإنجليزية يستخدمها الأطباء “ tell me when it hurts” “أخبرني حين يؤلم”.. عبارة يستخدمها الأطباء حين معاينة المرضى لمعرفة موضع الألم وشدته لتقييم حالتهم. لكن حين يكون الألم نفسي، ألم بداخل الإنسان لا يوجد له ندوب ظاهرة.. لن يستطيع طبيب ما الضغط حتى يؤلم شيء ما..

أنت وحدك القادر على تحديد موطن الألم وكنهه وأصله.. فقط عبر؛ تحدث عن الأشياء التي قد تبدو تافهة.. تعلم معها كيفية التعبير وكيفية الصدق مع النفس وكيفية مواجهة روحك بما يؤمها.. حتى إذا ما لامست أكثر ما يؤلمك وأكثر آلامك تجذرًا في روحك؛ تكن قادرًا على التعبير.. الصدق والمواجهة.

قل معي.. لا شيء يُخجل: “أنا أتألم”!

* كان من المفترض لهذا المقال أن ينشر على مدونات الجزيرة، لكنه لسبب غير مفهوم تعطل نشره.. لذا نشر هنا على مدونتي الشخصية.. كونوا بخير. 

أسماء

Advertisements

لماذا 11/11 ليس حراكًا اقتصاديًا للغلابة؟

 

علم الغلابة مثلهم مثلنا بوجود ثورة باسمهم قُرر لها تاريخ 11/11/2016، تم الدعوة لها من قبل مجهول، وتجسدت في دعوة إلكترونية عبر موقع يسمعون عنه من خلال التلفزيونات والراديو وربما لا يتاح لأغلبهم فرصة استخدامه. علم الغلابة مثلهم مثل الغرباء تمامًا، أن هناك ثورة باسمهم؛ اليوم.

وبعيدًا عن كون مصدر الدعوة لهذا الحراك مجهولًا، فهناك علامات استفهام كثيرة على مضمون الدعوة ذاته، المضمون الذي ينفي عنها كونها حراكًا لتحقيق أي مكسب اقتصادي. ولنجيب عن سؤالنا الأساسي في المقال، فلنبحث مقومات الحراك الاقتصادي الذي يهدف بالفعل لتحقيق مكسب ما للغلابة.

بداية، ليكون هذا الحراك اقتصاديًا ناجحًا يجب أن ينعزل عن المطالب السياسية وينحصر على مطالبات اقتصادية. وليكون ناجحًا يجب أن تكون هذه المطالب محددة، وللحراك قيادة واضحة يمكن التفاوض معها لتحقيق أقصى استفادة ولا يظل المطلب صوتًا تائهًا وسط الجماهير.

وليكون هذا الحراك اقتصاديًا ناجحًا يجب أن يكون ضمن الدائرة الاقتصادية للدولة، فلا يكون أبدًا يوم “إجازة رسمية” لجميع المصالح والجهات. فإن كان هذا الحراك اقتصاديًا يخاطب جهات من شأنها تحقيق مطالبه؛ فكيف يخاطبها في يوم إجازتها حيث يمكنها بسهولة الاحتجاب وتجاهله؟!

لو كان هذا الحراك اقتصاديًا بحق؛ هل من المنطقي أن يخرج من دوائر الاقتصاد إلى الشوارع في يوم تغلق فيه المصالح الاقتصادية؟ هل بعد 5 سنوات من الحراك في صورة تظاهرات والتداعيات الاقتصادية التابعة لكل حراك منهم يعقل أن ينادي حراكٌ اقتصاديٌ بالتظاهر؟!

كلا، لو كان هذا الحراك حراكًا اقتصاديًا بحق لاتخذ مكانه داخل المصالح الاقتصادية نفسها، ولتصدرته قيادات عمالية ونقابية وباتت له مطالب واضحة تكون متكافئة مع الواقع الاقتصادي وتساعد المتضرر على تجاوزه؛ لا أن تطالب بعكس الواقع الاقتصادي. بمعنى؛ ستطالب هذه التظاهرات بزيادة المرتبات وزيادة الدعم للمنتجات والسلع الأساسية، ورفع المعاشات، وربما توفير فرص عمل لمن يعانون من البطالة أو تقديم إعانة بطالة لهؤلاء حتى لا يتحولوا خلال ضراوة الكساد إلى عناصر تهدد أمن المجتمع وسلامته، وبالتأكيد اقتصاده.

أفضل الحراك الاقتصادي على مر التاريخ هو الإضراب عن العمل، ومن ثم الاعتصام داخل مقر العمل، وأفضل الحراك يكون بإجماع أعضاء المؤسسة على الإضراب أو الاعتصام فيكون واضحًا لأصحاب القرار أن هذا الحراك لا يمكن تهديده من داخله، ولا من داخل المؤسسة، ويكون أفضل الحراك كذلك مقدمًا للمجتمع بشكل يضمن دعم المجتمع لحق الإضراب للعامل؛ حيث لا يكون مهددًا بالرفض من المجتمع، أو مهددًا بتوافر بديل.

فعلى سبيل المثال يمكنك مراجعة الإضرابات العمالية الأشهر في العالم في فرنسا، وأبرزها الإضرابات العمالية في مجال النقل والمواصلات وهو أكثر المجالات حيوية في المجتمع؛ لا يتظاهرون في الشوارع بل يضربون في مقر عملهم، لا يتغيبون بل يقفون وقفة رجل واحد، ولا يتذمر المجتمع، بل يدعمهم بالتأقلم واحترام حقهم في حياة أفضل وظروف عمل أفضل. كما على نطاق الصعيد المصري يمكنك مراجعة إضراب المحلة والذي وإن حقق السقف الأدنى للمطالب فقد كان حراكًا اقتصاديًا منظمًا وناجحًا، إضافة إلى إضرابات متفرقة في مصانع ومؤسسات مصر بالمحافظات المختلفة وموانئ مدن القناة بعضها نجح في تحقيق أهدافه والبعض الآخر لم يفعل؛ لكنها في النهاية كانت حركات اقتصادية مؤثرة.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9

كما أن أفضل الحراك الاقتصادي لا يخاطب رأس الدولة، وبالتأكيد لا يخاطب الجهات الأمنية فيها؛ لماذا؟ لأنه إن تجاهل رأس الدولة هذه المطالب فلا أمل آخر في التصعيد، ولا سلطة أعلى لمخاطبتها. فالحراك الاقتصادي يجب أن يتدرج، وأن يكون لديه قدر المستطاع فرصة للتصعيد إلى سلطة أعلى ما لم تستجب السلطة المخاطبة؛ ففي النهاية هدف الحراك الاقتصادي يكون تحقيق مكاسب ملموسة ومؤثرة. وعلى ضوء هذا التوضيح يقف السؤال محيرًا: كيف يتوقع من حراك اقتصادي في مطلعه مخاطبة رأس الدولة، بل والمطالبة بإزاحتها وتسمية الحراك بالثورة؟! كيف سيحسن إزاحتها وضع أصحاب الحراك إذا تم؟!

وحتى لا تختتم التساؤلات بالإجابات السمجة الدائمة: “حسنًا، ليس حراكًا اقتصاديًا؛ بل هو سياسي بحت!”؛ فهذا الحراك ليس سياسيًا أيضًا، فالسياسيون كما “الغلابة” تمامًا، وجدوا الدعوة أمامهم من “مجهول”، ووجدوا جميعًا على اختلاف أيدولوجياتهم وتوجهاتهم في خانة رد الفعل ومنتظر منهم إعلان موقفهم بالمشاركة، الممانعة أو الحياد.

ختامًا، نقف اليوم جميعًا أمام دعوة من “مجهول”، دعوة لـ “ثورة” اقتصادية باسم “غلابة” مفعول بهم في دعوة باسمهم، دعوة استخدمت خلال الفترة الماضية للتنكيل سياسيًا واقتصاديًا بالجميع؛ دعوة من “مجهول”… فمن يا ترى ذلك المجهول الذي لم تأت دعوته سوى في صالح النظام؟! وكيف يكون الحراك الذي دعى له، بأي شكل، اقتصاديًا أو سياسيًا أصيلًا؟!

حول المعارضة والمصالحة وحالة الإنكار الهزلية

برأيي المتواضع: حديث المعارضة عن رغبة السيسي وحكومته في المصالحة حديث هزلي ومثير للغثيان، فقد انعدمت كل آفاق المصالحة في عام 2013 ولم يعد هناك أي سبب استراتيجي يدفع النظام إلى التصالح؛ المصالحة.. هي معاهدة سياسية يستفيد منها كافة الأطراف.. فلماذا قد يرهن النظام مكسبه المستمر والمتعاظم بمعاهدة قد تحده بل وتضمن بعض المكاسب لمعارضيه؟

وبالمعارضة هنا أقصد الاخوان ومؤيديهم، لأنهم الجهة الأكثر ترجيحًا لتكون طرفًا لأي مصالحة سياسية؛ حيث أنها الكيان الوحيد المنظم الموجود على الساحة ويستمر في المعارضة – مهما بدت شكلية.

الاغتيالات السياسية للقيادات والاغتيالات المعنوية للصف ليس المقصود بها نهائيًا الدفع باتجاه مصالحة سياسية؛ تلك الاغتيالات الهدف منها التخلص من الرموز وكسر ظهر المعارضة أكثر مما سبق.

المضحك المبكي في هذا السياق هو سجالات الفايسبوك وجدالات تويتر حول الأحداث، والخلافات الداخلية لجماعة الاخوان، ومن في صف من ومن ومن في جبهة من، على مرأى ومسمع من الجميع؛ فيبدو المشهد وكأن الكيان يسوق نفسه بنفسه إلى هلاكه.

في زمن مضى وانقضى كانت المنشورات السياسية التي تحمل توعية بقضايا وتحريضًا على التحرك – على مستوى المدن والدول يتم توزيعها في سرية تامة حتى أن حيازتها كانت تماثل حيازة المخدرات الآن. فما بالكم بما يحدث على مستوى أصغر من جماعة داخل دولة يحكمها نظام يود لو يفترسها ويفتتها؛ ألا يستحق الأمر بعض السرية ربما؟

كان شعار بعض الدول حال خوضها الحرب: “أسمع، أرى؛ لا أتكلم” مهما رأيت أو سمعت فلا تفتح فمك بلا داع لأن الجواسيس حولنا وفي أي وقت يمكنك أن تلفظ معلومة تكسبهم الحرب وتخسرها بلادك دون أن تدري أهميتها ولا أن تدرك فداحة نشرها.

جماعة الإخوان الآن مشتتة بين ثلاث عذابات: الاعتقال، المنفى والمطاردة. كوادرها وشبابها إما في المعتقلات تهدر أعمارهم، أو في المنفى يصارعون من أجل الحياة، أو مطاردون لا هم استراحوا من حياة القط والفآر بالاعتقال، ولا فروا من البلد فعادوا للحياة البدائية للبحث عن احتياجات الإنسان الأساسية. بين هذه الفئات الثلاث المعذبة تقبع الجماعة ومازال بعض من يطلق عليهم “مثقفوها” متصورون أن النظام سيحبو من أجل مصالحة سياسية.

جماعة بلا نقطة تفوق واحدة أمام النظام، كل أخبارها وأسرارها وخلافاتها متاحة لمن يريدها ولمن لا يكترث؛ لماذا قد يهدف النظام إلى أي شيء قد يعيد إليها بعض توازنها – كالمصالحة مثلا؟ سيكون النظام حينها غبيًا… فاذا استمر الوضع على ما هو عليه سيخسر النظام عداوة الاخوان لأنها ستنهار على أقل تقدير تنظيميًا؛ وسيتبقى عليه الشعب الذي اعتاد ترويضه بالعصا والجزرة!

أتمنى، وهي أمنية تمنيتها كثيرًا على مدار السنوات الماضية ولم أنلها؛ أن يفيق الإخوان وغيرهم من القوى السياسية من خداع النفس.. أن يدركوا موقعهم على خريطة الصراع وأن يجتهدوا في إيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم قبل مشاكل الوطن وربما حينها البحث عن مخرج من المعادلة الصفرية التي حبسونا فيها منذ 2013 إلى الآن.

street_art_29

حول محاولة الانقلاب في تركيا – قراءة سريعة

كيف غيرت مكالمة FaceTime مآلات انقلاب تركيا ولم لا توجد أوجه مقارنة مع مصر

coup

بدأ انقلاب تركيا يعلن عن نفسه حين أغلق القنوات الرسمية والطرق الرئيسية ومطار أتاتورك باسطنبول وبنزول قوات عسكرية إلى الشوارع والميادين الرئيسية وشل حركتها، ومحاولة احتلال مقرات الحكم الرئيسية، كانت جميع القوى السياسية والعسكرية في صمت كامل وتوجس عدا بعض ممثلي الحكومة عبر تويتر وبيانات خطية.

حسم الأمر مكالمة Facetime أجراها أردوغان لقناة CNN Turk دون النظر لماهية القناة أو شكل المكالمة الغير موافق للبيانات الرسمية للرؤساء. كانت المكالمة إعلان كاف بالصوت والصورة لثلاث رسائل بغض النظر عن مضمون الخطاب ذاته: الرئيس حيٌ آمن، الرئيس حرٌ طليق، والرئيس لن يستسلم.

كان ذلك كفيلًا بإعلان أن الانقلاب لم ينجح – وهو إعلان لا يعني فشله بالضرورة – ما قدم لجميع الأطراف في تركيا رسالة واضحة أن حسم الأمور بأيديهم.

كان للشعب التركي الخيار في أن يقبل هذا الانقلاب ويعيش مآسيه القديمة مجددًا أو لا، وكان للقوى المدنية أن تقبل انقلابًا عسكريًا على الديمقراطية التي هي جزء لا يتجزأ منها أو أن تشارك فيه وتفقد الديمقراطية بشكل نهائي؛ كما كان للعناصر الغير مشاركة في الانقلاب من القوات العسكرية – وهو الأهم – الفرصة الكاملة في تحديد موقفهم مع وطنهم ومصلحته العليا حتى لو كان معنى ذلك تقديم رقابهم للوطن في حال نجح الانقلاب.

العصيان الشعبي لحالة حظر التجوال كان أول ثمار خطاب أردوغان عبر الهاتف، ومن ثم تعامل الشعب مع قوات الانقلاب عند المطار وطردهم منه وإخلاءه تمامًا من سيطرتهم. تبع ذلك إعلانات رؤساء الأحزاب المعارضة على تنوعها اصطفافها مع الديمقراطية وإعلاء مصلحة تركيا ضد محاولة الانقلاب العسكري. وأخيرًا، كان إعلان الجيوش التركية الجيش الأول والبحرية وقوفهم خلف مصلحة الأمة وغياب أي علاقة لهم بما يحدث من محاولة الانقلاب العسكري.

هنا بدأت الكفة تميل لصالح أردوغان، وكان لاسطنبول دونًا عن غيرها الطليعة في رفض الانقلاب ومقاومته وطرده من شوارعها بأقل مواجهة مسلحة تذكر، فيما كان لأنقرة – ومازال – النصيب الأكبر من المقاومة المسلحة خاصة مع استمرار سيطرة الانقلاب على أحد المطارات العسكرية وعدم تسليمه سلاح الطيران بعد ومحاولته المستميته إعادة توازن الكفة.

لم ينته الأمر بعد، هكذا أعلن أردوغان والرئاسة التركية مطالبا الشعب بالتزام الميادين حتى عودة الأمور لطبيعتها؛ كما لم يعد أردوغان لأنقرة ومازال بين أنصاره في اسطنبول، ومالم يحدث ذلك فلم تحسم الأمور.

حتى الآن راح ضحية هذه المحاولة للانقلاب حوالي 100 شخص نصفهم من المدنين ومئات الجرحى؛ فيما تم اعتقال مئات من الجنود المتورطين في هذه المحاولة وتستمر الاعتقالات.

*****

ولكن لماذا لا توجد وجه مقارنة بين محاولة الانقلاب في تركيا وانقلاب مصر؟ لنجيب على ذلك دعنا نعقد ثلاث مقارنات بسيطة.

أولًا: الرئيس في حالة مصر كان رهن الاعتقال، في حالة تركيا كان حرًا وآمنًا.

ثانيًا: الشعب في الحالة التركية كان قد عانى من 4 انقلابات عسكرية سابقة، يعلم مآلات الانقلاب، لم يتعرض لأي شحن إعلامي مسبق، ورأى الرئيس حرًا فأدرك أن مقاليد الأمور يمكن أن تعود ليده وأن وطنه لم يضع بعد.

بينما الشعب في الحالة المصرية لم يشهد سوى انقلاب عسكري واحد في خمسينيات القرن الماضي مازال يمجده وقائده حتى اللحظة، ورغم ضنك مآلات الانقلاب فالعقل الجمعي المصري كان يقدس جيشه، إضافة إلى ذلك تعرض الشعب المصري لشحن إعلامي مكثف لم يواجهه شيء لأشهر متوالية شوهت الرئاسة والديمقراطية الوليدة وكل ما يأتي من طرفها؛ وأخيرًا، رأى الجيش في الشوارع وعلى التلفاز وغاب الرئيس عن المشهد فسكن تمامًا لأن التحرك الوحيد المتاح كان تحت لواء الاخوان الذين قال التلفاز له عنهم أنه خونة وعملاء وتجار دين ولا يحبون الوطن.

ثالثًا: إعلان الانقلاب، وهنا نتوقف قليلًا:

  • فشلت محاولة الانقلاب التركية في إعلان بيان رسمي للانقلاب والسيطرة على البلاد من خلال التلفزيون الرسمي، حتى أننا عرفنا اسم قائد المحاولة لاحقًا من وسائل الإعلام المؤيدة لأردوغان؛ وكان أقصى ما تم إعلانه هو حظر التجوال وإغلاق المطارات. 
  • أما في مصر فقد كان إعلان الانقلاب مختصرًا لكل المشاهد، وزير الدفاع، وعلى جانبيه ممثلو القوى المدنية، السلطات الدينية، وقادة الجيوش كافة؛ أعلن عزل الرئيس، إيقاف العمل بالدستور، حظر التجوال، ورئيسًا للمرحلة الانتقالية وحسم الأمر.

ومن الضروري الالتفات إلى أن القوى المدنية المصرية لا وزن حقيقي لها سوى ذلك الذي صنعه الإعلام في ذات الأشهر التي شوه بها الديمقراطية؛ على عكس قوى تركيا التي تدرك وزنها في الشارع والتي فاقت في الانتخابات الأخيرة مجتمعة وزن الحزب الحاكم. كما أن القوى المدنية المصرية لم تنل من الحرية سوى عام واحد وضيعته إلى حين؛ بينما القوى التركية تدرك تمامًا قيمة الحرية والتي تستحق دفع الحياة ثمنًا لها.

لهذا لا توجد أوجه لمقارنة حقيقية بين الأحداث الجارية في تركيا وانقلاب مصر؛ لكن هذا لا يعني بالمرة أن انقلاب مصر كان واجبًا لا محالة وأنه كان من الممكن الحفاظ على الديمقراطية في مصر – ولكن تلك قصة أخرى.

*****

أخيرًا وحتى عودة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقر الحكم في العاصمة أنقرة وإعلانه خلو البلاد من عناصر الانقلاب وإيذانه بإمكانية عودة الشعب إلى البيوت لانتهاء الأزمة؛ فمازال الأمر لم يحسم بعد. مازلت كفة أردوغان في الأرجح، وحتى الحسم، لا نملك إلا انتظار ما ستحمله لنا الساعات القادمة.

16 يوليو 2016

12:15 ظهرًا  – توقيت اسطنبول

الرصاص لا يعرف الحب

الرصاص لا يعرف الحب

أسماء خيري

على مدار سنوات عمري لم يخبرني أحد عن الحب كما أعرفه الآن، ولعل كتابتي اليوم عنه تخرجه عن كل السياقات المعتادة، وتجنبًا لمقدمات طويلة دعوني أقول: لعلي لم أتمن شيئًا في حياتي كأن يوصيني أحدهم “تزودوا بالحب .. فالحب لا يعرفه الرصاص”

*****

ترددت طويلًا من أين أنطلق في الكتابة، وحقيقة غلبتني التساؤلات وقررت ألا أعود إلى نقطة ثابتة للبداية ولأبدأ من حيث أنا.

أمس، شهدت مصر سقوط سيل من الدماء. والدماء دماء، بغض النظر عن موقفها من معادلة الصراع. والصراع مستمر دام لا يرحم، يسلب الأهل والصحب والأحباب، يسلب العمر والصحة والأجساد، ويكاد يسرق أروحنا. الصراع يستنزف إنسانياتنا حتى بات من الطبيعي استمرار ترهات على الشاشات فوق شريط أخبار عاجل تستمر أرقام الضحايا في الوميض عليه؛ ضحايا كل الأطراف، المحسوبة والمهمشة.

وهناك، عند هذا المبنى العتيق الذي شهد الكثير منا ضيوفنا على مدار الأعوام الماضية، هناك عند «المشرحة» ضمت امرأة مُحبة وجه زوجها المقتول بخمس رصاصات، بين كفيها بحنان وقبلته، وارتمت ابنة في حضن أبيها المقتول برصاصات خمس، لآخر مرة، ووقف شاب يغالب دموعه على استحياء رثاء لأخيه الذي قتلته أيضًا رصاصات خمس، فيما ضمته أمهما الثكلى، ويتكرر المشهد، يتكرر مع كل جثة من الجثث التي دلفت إلى مبنى المشرحة، الرصاصات الخمس، العائلة، والحب.

لقد شهدت المشرحة أمس دونًا عن الوطن بأكمله، فيضًا من الحب في دمعات متمردة، وقبلات مختلسة، وأحضان أخيرة، ودعوات متوسلة، ولمسات وداعية؛ حانية. شهدت المشرحة أمس الحب في بهاء لحظات الألم التي لا تتكرر؛ لحظة الوداع.

*****

حين كتبت أمينة قطب الأبيات الختامية لقصيدتها «هل ترانا نلتقي» قالت: لم يعد يبرق في ليلي سنا .. قد توارت كل أنوار الشهاب. هكذا خطت أمينة حياة ما بعد الوداع، ليل بلا أنوار بلا نجوم بلا هَدي؛ إلا أن أمينة لم تنهي القصيدة عند هذا البيت. بعد تساؤل ولهفة وعتاب ومصالحة ووداع ثم ظلامه، لم تتم القصيدة، بل استمرت، حملت أمينة ما مدتها الحياة به من حبٍ ومضت في ثلاث أبيات لا تخاطب سواه؛ الحبيب:

غير أني سوف أمضي مثلما .. كنت تلقاني في وجه الصعاب

سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا .. يرتضي ضعفًا بقول أو جواب

سوف تحدوني دماء عابقات .. قد أنارت كل فجٍ للذهاب

*****

لو أمعنا النظر قليلًا، فإن الحب هو ما تبقى لنا من زاد أمام كل ما تجابهنا به الحياة، الحب هو الشيء الوحيد الذي لا تطاله قيود الظالم ولا حبال مشانقه ولا رصاصاته. الحب هو الشيء الوحيد الذي لا يمكنه أن يسجن، ولا يمكنه أن يقتل ولا يمكنه أن يصادر. الحب هو كل ما تبقى لنا.

الحب، هو قوت أرواحنا الباق أمام يأس الحياة، هو هدايانا لأحبابنا في حلكة الظلام، هو الشمعة الوحيدة التي لن تنطفئ إذا منع عنها الهواء.

الحب هو روح الثورة، هو روح الحق، وهو روح الحياة.

*****

لم ألتق حسن البنا بعد، ولم أجلس إليه الجلسة التي أتوق إليها لنناقش سويًا الكثير مما كتب والكثير مما قيل، ولم أبحث وراءه فيما قصد حين قال «سنقاتل الناس بالحب» لأنني لم أفهمها حين قرأتها أول مرة، ولم أفهمها حين سخر أبناء جيلي منها، ولم أفهمها سوى عندما لم أجد من الحياة ما يعينني على الاستمرار فيها سوى الحب. وسواء كنا نتفق في معناها أم لا فأنا أثق أن البنا سيتفق معي على طرحي لعبارته الآن. لقد كتب علينا القتال، القتال من أجل البقاء في مجتمع لا يقبل من يرفض الذات العسكرية والسلطة الفاشية الظالمة، كتب علينا القتال لأجل البقاء رغم الرصاص والمشانق والقيد والسرقات والتنكيل والمطاردة، كتب علينا القتال من أجل الحياة، وأيًا من كان من يجب أن نقاتله فلا ذخيرة لنا ولا سلاح ينفعنا قدر الحب. ولم يكذب البنا حين قالها، فلا سبيل لنا الآن سوى القتال بالحب.

*****

«أنا كل ما تودعنا..كأنّا تودّعنا لآخر مرة حبيبي…»

كانت النية الأولى للكتابة اليوم عن المآسي المتوقعة في المرحلة المقبلة من الصراع، ولكن ضربة الشمس التي تلقيتها صباحًا كتمت عبارة واحدة من أغنية فيروز «سألتك حبيبي» في رأسي ولم تخرج، لم تخرج لأنها كانت تُعزف على وتر شخصي بروحي حقيقة رغم تداخله مع الصراع، لكن يظل وتر خاص جدًا بي. بقيت العبارة بالأعلى تدندن برأسي المتعب بقية النهار وحتى اللحظة، فعدلت عن كتابة المتوقع من المآسي وقررت أن أكتب ما كتبت. وأما عن المتوقع فلا سبيل لمجابهته سوى بالثبات والصبر. وأما عن الفقد، فلا سبيل لمجابهته إلا بالكثير والكثير من الحب، وليكن كل لقاء لنا مع الأحبة كأنما هو الأول، وكل وداع كأنما هو الأخير، ولنحسن الحب ولنغدق الود حتى تتوسع أرواحنا لتحفظ الحب وينزوي الألم تحت وطأة الحب في الركن، ويخفت فلا يبقى من الفقد سوى ريح الأحبة.

*****

«أن هذه القلوب تعاهدت على محبتك»

أجمل ما بورد الرابطة الذي أنساه حينما أنسى الوقت أو يسرقني، هوالتذكير المستمر بالحب، فنحن نحب الله ونتحابب فيه، وإن حب الله والحب فيه لزادٌ لا تصفه كلمات.

*****

وحتى لا يجهض هذا المقال كغيره من محاولات الكتابة السابقة بالدموع، فلا شيء أجدر بالختام من وصية قطب لأخيه رغم الأسر، والقيد، والمشانق:

«فأطلق لروحك إشراقها .. ترى الفجر يرمقنا من بعيد»

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله.

تزودوا بالحب .. الرصاص لا يعرف الحب؛ ولن يستطيع أن يقتله

من يربت على كتف مروة؟

أما مروة فمروة هي وعد زينب الأخير متحققًا، وأما زينب فقد كانت مجتهدة تدور خلف حقوق الناس بعين لا تنام قريرة إلا إن فازت بدعوة من أم قرت عينها برؤية ابنها دون قضبان أو فتاة عادت أخيرًا لتحلق وسط الطيور عقب أسر، أو هؤلاء الذين يستحون طلب الحرية فينادون فقط بحقهم في أن يتذكرهم هؤلاء الذين ينعمون بها. أما زينب، فقد ضاق بها الأفق حتى ابتلعها وغابت، وكان وعدها الأخير أن تكون دائمًا معي؛ فكانت مروة. ولكن تلك قصة خاصة للغاية، السؤال المهم الآن هو من يربت على كتف مروة؟

التعامل مع صناع القرار في العالم مرهق نفسيًا للغاية، وقد كنت تعيسة الحظ بما فيه الكفاية لأمضي 15 يومًا من الشهر الأخير لي على سطح الكوكب بين هؤلاء، بداية من رواد المعارضة المصرية وصولًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة. هؤلاء الذين تتجه إليهم الكاميرات وتتوجه إليهم الأسئلة بأعين براقة وأصوات مرتجفة وألسنة متملقة للغاية؛ أسئلة حول مصير العالم الذي يسكنه 7 مليارات من البشر يعبث صناع القرار بمصيرهم بلا أدنى فرصة للنظر خارج أفقهم الضيق. التعامل مع صناع القرار في العالم مرهق نفسيًا لأنه بالرغم من كل شيء أنت ترى ضحالة الفكر، وبيروقراطية القرارات، وعجرفة الإنسانية كاملة، والأنانية المنمقة وصراعات القوة الوهمية التي تستنزفهم جميعًا. صناع القرار بالعالم ينادون في المؤتمرات بحرية تداول المعلومات ولكنهم لا يجيبونك أبدًا على أي سؤال، يماطلون، يستغفلونك – أو هكذا يظنون أنفسهم، لا يهتمون بما لديك لتضيف إليهم رغم أنه وفقًا لشرعهم الذي يتغنون به: أنت الأهم. كل هذه الكوكبة من “النخب” مهمتهم الأساسية والوحيدة هي جعل حياتك “أنت” أكثر يسرًا وأكثر أمنًا وأكثر حرية ورفاهية.

العالم، المخرج يأمر المصور بتكبير جزء من الصورة، العالم العربي، الشرق الأوسط، صناع القرار بالشرق الأوسط؛ وما أدراك ما صناع القرار بالشرق الأوسط.

مثال: يقف أحد رموز المعارضة المصرية الأبرز على مر عقود مضت وستأتي رغم أن الحديث متاح له جالسًا قائلًا: “أفضل الحديث واقفًا احترامًا لشباب الثورة”. يتابع السيد المعارض الحديث في إعادة رتيبة لصياغة معلومة واحدة: “يجب إسقاط حكم العسكر”. عندما ينتهي الخطاب، يطلب أحد الشباب الكلمة، يقف، يسأل باقتضاب: “سيدي الفاضل أعدت علينا ضرورة إسقاط حكم العسكر دون آلية واضحة لكيفية فعل ذلك، لقد وقفت تحية لنا، ولكن ما المطلوب منا لإسقاط حكم العسكر، أخشى أن يحمس كلامك شبابًا مثلي لمزيد من العمل غير المجدي فتزيد الاعتقالات ويرتفع معدل القتل مرة أخرى، فماذا يمكننا فعله، ما المطلوب الآن: في نقاط رجاء؟” فيرد المعارض بعد مقدمة لا فائدة منها: “يجب أن نحافظ على مؤسسات الدولة وقيمتها لنحافظ على شكل الدولة ونرفض حكم العسكر.” وكفى.

هذا مشهد مقتضب للغاية من مشاهد متعددة تحمل ذات الرسالة الواضحة لجيل يبدو أنه على وشك أن يرث شيب “العواجيز” من الساسة وعقم فكرهم. الرسالة هي أن صناع القرار العرب يفتقرون إلى الرؤية. صناع القرار العرب لا قرار لهم ولا أثر لهم ولا يملكون لنا من شيء سوى “سم البدن” بعبارات منمقة في ظاهرها، رنانة في وقعها، خاوية في معناها وأثرها.

ولكن من يحمل المسؤولية وعلى رأس من تصب “إربة” النخب “المخرومة”؛ مروة. مروة ليست مروة واحدة، إنها مرآة لبشر كثيرون، يزداد عددهم كل حين أو ينقص إن امتدت إليهم يد الغدر. وعندما أكتب اليوم مروة، فأقصد زينب، ومروة، ومثلهم أكثر من 500 شخص يعملون رغم الحصار حقوقيًا وإعلاميًا في مصر  لرفع أصوات المظلومين، حصر المعتقلين في السجون، الدفاع عنهم، دفع كفالاتهم، دعم عائلاتهم وعائلات الشهداء وغيرها مما تمكنهم فسحة القدر من فعله. وعندما أكتب اليوم مروة أكتب عن رجال ونساء وصبية وفتيات لم يتخط أحدهم عمر الشباب بعد بل لم يبدأه بعضهم من الأساس. وعندما أكتب اليوم مروة فأنا أكتب عن أرق قد لا يذوي حتى مع ضوء النهار؛ لأجل أناس لا يعرفونهم ولكن لن يتحمل مسؤوليتهم أحد، سواهم.

ومروة، مروة مواطنة عادية للغاية، مواطن عادي للغاية، كل ما حدث هو أن الفراغ الذي تخلفه النخبة ذات الخطب الرنانة والمؤتمرات ذات الخمس نجوم احتاج لأحد أن يملئه وإلا ضاع المئات والآلاف خلف القضبان دون صوت، دون كلمة توثق ألمهم، دون صدى لصراخهم، دون رواية أخرى سوى رواية النخبة. وأما عن الحصار، فالحصار حصار النظام من ناحية وحصار المعارضة الحمقاء من ناحية أخرى، وبينهما تسعى كل مروة.

ومروة، كل مروة، وكل زينب، كان من حقها حياة عادية، إمكانيات حقيقة، استقرار، أمان، تعليم، وفرصة؛ فرصة لاستثمار طاقتها التي لا تنضب لأجل الآخرين، ولكن النخب وصناع القرار تخلوا عن دورهم في توفير هذه الحياة لمروة رغم أنها واجبهم، وواجبهم الوحيد. ومروة، وكل مروة، كل زينب؛ لو كان لهم فقط فرصة، لكانت البلاد التي تغرق بلا هوادة في مستنقع من العفن الاقتصادي والفكري والاجتماعي؛ على أول الطريق نحو نهضة حقيقية. فمروة، كل مروة، تحب هذا البلد بحق، وتحب الناس بحق، وكل زينب ضاق بها الطريق لخدمتهما ذوت. والآن، مروة، تملأ فراغ خلفته النخب السكرى بأضواء الكاميرا وصناع القرار من النظام والمعارضة الآخذون في الحديث، الحديث فقط. مروة الآن – كل مروة – تحمل على كتفيها عبىء أوطان وسكانها، ولا ترى فسحة في الأفق لإشراقة ولو صغيرة، لا ترى سوى نخبة غارقة في الغيّ. مروة تحمل الوطن على كتفيها، وحدها.

وأنت، أنت تعرف مروة، لقد قابلتها يومًا عابرًا وابتسمت، أو ربما لم تبتسم، كنت ممتنًا لها ربما أو ربما لا، ومرقت، ونسيت. وأنت، أنت تعرف النخب، رأيتهم مرارًا وتكرارًا، حفظت خطبهم المعادة والمكررة، ومع ذلك مازلت معلقًا تقديرك بهم وآمالك بخطبهم. أنت، رأيت مروة، ترى هل تجيبني من يربت على كتف مروة؟ مروة لا تنتظر من يربت على كتفها، فهي لن تجد الفسحة لذلك ما استمرت أكتاف أخرى تأن من وطأة ظلم وتحتاج لمن يربت عليها.  ولا يصف الكلام الحمل على أكتاف مروة ولا يصف الكلام كم مرة خذلت أنت مروة معلقًا ناظريك بمن تتجه إليه الكاميرا.

ولأختتم، المستقبل القاتم لا يضيئه سوى شعلة من الشباب كمروة، وليس فلاش كاميرا. ولأطمئنك قليلًا، سأخبرك الآتي: أما عن مروة، فستبقى مروة، وأما عن زينب فقد وفت وعدها، وأما عنك، فلا أمل سوى أن تفيق من سحر الكاميرا؛ كفاك.

مروة

أسماء خيري

Protected: NUMBERS

This content is password protected. To view it please enter your password below:

Tag Cloud

%d bloggers like this: